خصص اليوم الرابع من الدورة التكوينية حيزًا عمليًا لورشة المستوى الأول، ارتكز على برنامج الدعم الوقائي بوصفه مدخلًا تربويًا يهيّئ المتعلمين لالتحاقٍ آمن وناجع بعالم المدرسة، ويحدّ من الفوارق بين مدخلات السنة الأولى، ويُنمّي عادات وطقوس التعلّم منذ الأيام الأولى. وقد سعى هذا اليوم إلى ترجمة المبادئ المؤطرة إلى أنشطة صفّية واضحة الخطوات، قابلة للتنزيل الفوري داخل الأقسام، مع التركيز على اللعب المنظّم، والعمل في المجموعات الصغيرة، والتنمية المتدرجة للمهارات الشفوية والمهارات ما قبل القرائية والرياضياتية.
1- فلسفة الدعم الوقائي وأهدافه
في المستوى الأول ينطلق الدعم الوقائي من حقيقة بيداغوجية أساسية: المستوى الأول هو عتبة الولوج المدرسي، بما يرافقها من تباينات في النضج اللغوي، والقدرات الانتباهية، والخبرات ما قبل المدرسية. من ثمّ، لا يُتصوّر الدخول في تعلمٍ نظامي دون تهيئة علاقية ونفسية–سلوكية تجعل القسم فضاءً آمنًا محببًا، وتبني الثقة والقابلية للتعلم، وتؤسس لإجراءات صفّية وروتينات واضحة. لذلك تؤكد الورشة أن الأنشطة يجب أن تكون لعبية بالدرجة الأولى، تُنجَز مع المجموعة الكاملة ومع مجموعات صغيرة بالتناوب، وأن تُراعي إيقاع الانتباه والتركيز لدى الأطفال، وأن تركز أساسًا على الاستماع والملاحظة والتعرّف، قبل المرور إلى القراءة والكتابة بالمعنى التقني للكلمتين. كما تستهدف الورشة ترسيخ الطقوس الاعتيادية: الدخول، الجلوس، الاستجابة لتعليمات بسيطة، تداول الأدوار، واحترام القواعد المشتركة.
2- مبادئ التأطير وشروط النجاح
لضمان فعالية الأنشطة، شددت الورشة على مجموعة شروط تكاملية تشكل إطارًا مرجعيًا للمدرّس(ة): - أنشطة ألعاب مُهيكلة (ألعاب تربوية، روتينات) لا تُترك للارتجال، بل تُخطط بخطوات دقيقة وأهداف جزئية قابلة للملاحظة. - بيئة صفية آمنة ومحفّزة تُسهّل تملك الفضاءات المدرسية وتشجع التجربة والمحاولة دون خوف.
- تنمية الاستقلالية والمهارات النفسية–الاجتماعية (الثقة بالنفس، المثابرة، احترام القواعد، التعاون).
- إدماج المتعلمين الجدد بسلاسة عبر مقاربة تشاركية، تتيح التعاون وتبادل الأدوار.
- تدرّج فردي يأخذ بعين الاعتبار المكتسبات السابقة ويُدرّب على مهارات ما قبل التعلم الأساسي بوتيرة مناسبة لكل مجموعة.
هذه الشروط ليست شعارات عامة، بل تُترجم إلى اختيارات بيداغوجية عملية في كل نشاط، من طريقة تشكيل المجموعات، إلى نوع الوسائل المستعملة، إلى صيغ التغذية الراجعة.
3- عدة الورشة والدليل العملي (24 حصة)
عرضت الورشة عدة متكاملة تدعم تنفيذ برنامج وقائي يمتد عبر 24 حصة مبرمجة، روعي فيها التصاعد في الصعوبة، وتكرار الأنماط الفعالة بطريقة غنية غير رتيبة. يجمع دليل المدرّس(ة) بين بطاقات تنفيذ لكل حصة (هدف، وسائل، سيناريو، زمن كل فقرة)، وروابط إلى موارد سمعية–بصرية (فيديوهات توضيحية، صفحات من كتيب المتعلم، ملفات صوتية للأناشيد والقواف)، ونصائح دقيقة لضبط الإيقاع والتعامل مع الفروق الفردية. ورغم أن الدليل يقدم سيناريوهات مرجعية يُستحسن اتباعها حفاظًا على النسق، إلا أنه يفسح المجال لـتعديل الوتيرة ومواءمة الأنشطة مع خصوصيات القسم، شريطة الحفاظ على الأهداف التعليمية المستهدفة في كل حصة.
4- العربية: أنشطة وقائية شفوية وغنية بالصور
تُقارب أنشطة العربية في المستوى الأول من مدخل شفهي بصري، أساسه بطاقات الحروف وبطاقات الصور، وتستثمر الألعاب نفسها المعتمدة في المستويات الأعلى بعد تبسيط دعاماتها وتكييفها مع عمر الأطفال. تُبنى الجلسة عادة على:
- تهيئة قصيرة بنشيد حركي (تشجيع، تحية، قاعدة بسيطة).
- تمييز سمعي وبصري لأصوات/حروف مختارة، عبر بطاقات وصور ومطابقات.
- فهم سماعي قصير من خلال قصة مصوّرة قصيرة، مع أسئلة تعتمد الإشارة والاختيار والثنائي (نعم/لا).
- لعب تثبيتي يعيد توظيف المفردات/الأصوات. ضمن هذا المسار، تبرز قصة «بائع القبعات والقردة» كنموذج قصصي بسيط يُدرّب على تسلسل الأحداث، والاحتفاظ بالمعلومة، وربط السبب بالنتيجة، وصولًا إلى الحيلة في النهاية.
تُقسّم القصة إلى جمل قصيرة مرقّمة تسهّل إعادة السرد وتمثيل الأدوار، ويمكن تحويلها إلى لعبة صفّية: يرفع الأطفال بطاقات تُجسّد عناصر القصة عند سماع الجملة المناسبة، أو يُرتَّب تسلسل الصور جماعيًا. هكذا نُعلّم الفهم الشفهي والذاكرة السمعية–البصرية دون اللجوء المبكر إلى الترميز الكتابي.
أمثلة ألعاب عربية قابلة للتكييف
- لعبة السلة: يسمع الطفل صوتًا/حرفًا ويضع البطاقة المناسبة في «السلة» الصحيحة.
- لعبة العنكبوت: شبكة أرضية بسيطة تتوزع فيها الحروف/الصور، يقفز الطفل إلى الخانة التي توافق الصوت المسموع.
- بطاقات المطابقة: مطابقة صورة/كلمة سمعية، أو صورة/حرف أولي. هذه الألعاب تُستثمر في مجموعات صغيرة لتكثير فرص المحاولة والتعزيز الإيجابي، مع تدوير الأدوار بين حامل البطاقة، والمُتحقِّق، والمراقب للوقت.
5- الرياضيات: بناء الحسّ العددي عبر اللعب
لا تُدرّس الرياضيات في هذه المرحلة كتمارين حسابية جافة، بل من خلال أنشطة حسّ عددية تعتمد المناولة والملاحظة والتخمين، ثم التحقق. قدّمَت الورشة نموذجًا بسيطًا وفعّالًا:
يُقسَّم التلاميذ إلى مجموعتين، وتُعرض شبكة أعداد (1–7) مع خانات فارغة (أزيلت منها الأرقام). تمتلك كل مجموعة بطاقات الأعداد نفسها، وعلى ممثل كل مجموعة اختيار البطاقات المناسبة ووضعها في الخانات الفارغة بسرعة ودقة. هذا النشاط يُنمّي:
- ترتيب الأعداد وفهم متتالية 1–7،
- الاستدلال عبر تقدير العدد الغائب من سياق الجيران،
- العمل التعاوني (اقتراح، نقاش سريع، حسم)،
- التركيز البصري–الحركي، واحترام القواعد (دور واحد، وقت محدّد). يمكن تطوير النشاط تدريجيًا بزيادة المدى (إلى 10 مثلًا)، أو إخفاء أعداد غير متتالية، أو قلب الترتيب (تنازلي)، أو إدماج مقارنة بسيطة (أكبر/أصغر) باستخدام إشارات مرئية.
كل ذلك دون اللجوء إلى رمزية زائدة تُثقل على طفلٍ لم يشتغل بعد على الترميز الكتابي بانتظام.
6- الفرنسية: مهارات ما قبل القراءة والقاموس الأساسي
عرضت الورشة تصورًا وقائيًا للغة الفرنسية في السنة الأولى، يركّز على:
- مهارات الاستماع والتعبير الشفهي والفهم الشفهي،
- اكتساب رصيد معجمي أساسي،
- الاستئناس بمهارات التمهيد للقراءة (تمييز سمعي، إيقاع، وعي صوتي أولي).
ويُوصى ببرنامج عملي يضمّ: اكتشاف الأبجدية والتعرّف إلى أغنية الأبجدية وقوافٍ (comptines)، وبناء معجم موضوعاتي حول محاور قريبة من الطفل: التقديم الذاتي، المدرسة، الأسرة، الجسم. ولتيسير التنزيل، تقترح الورشة نموذج حصة يشتمل على :
- نشيد حركي: Bonjour, je m’appelle… (تحية وتقديم الذات - مفردات: Bonjour / Je m’appelle (صور/بطاقات/لعب دور).
- أغنية الأبجدية (تكرار إيقاعي حركي، إيماءات بسيطة).
- تقديم الحرف A (اسمًا وصوتًا وصورًا مرجعية).
- لعبة القفز على الحروف: يعرض الميسّر حروفًا أرضية كبيرة، ويقفز الأطفال نحو الحرف المنطوق.
يؤسس هذا النسق لتجربة لغوية مبهجة تُنمّي الحسّ الصوتي والتمييز السمعي–البصري، وتبني معجمًا حيًا قابلًا للاستثمار في التفاعل اليومي داخل القسم.
7- التنظيم الصفّي: الفوج كاملاً والمجموعات الصغيرة
تؤكد الورشة أن التدبير الفعّال للمستوى الأول يقتضي تناوبًا مرنًا بين لحظات العمل مع الفوج كاملاً (نشيد/تعليمات/عرض لعبة) وبين محطات المجموعات الصغيرة التي تمكّن من:
- رفع كثافة التمرن لكل متعلم، - منح تغذية راجعة فورية،
- تشخيص سريع للتعثرات (صوت لا يميّزه الطفل، ترتيب عدد يختلط عليه)،
- تدوير الأدوار بين الأطفال لتعلّم الإصغاء واحترام القاعدة. كما تُعدّ الطقوس الاعتيادية (تحية البداية، بطاقة القواعد، ركن المواد، إشارة الانتقال بين الأنشطة) عناصر حاسمة لضبط الإيقاع وتوفير جوٍّ يسع الجميع.
ويدعو تصور الورشة إلى تفعيل أركان صفية بسيطة (ركن الحروف/الصور، ركن العدّ، ركن الاستماع) بأدوات قليلة الكلفة، مع توفير بدائل في حال غياب الوسائط الرقمية (طباعة صور، بطاقات ورقية، مساحات أرضية ملصوقة).
8- التقويم والمتابعة: رصد تكويني لا مُهدِّد
لا يستقيم العمل الوقائي دون تقويم تكويني يراعي السنّ ومرحلة التهيئة. لذا تقترح الورشة اعتماد ملاحظات قصيرة أثناء اللعب، وقوائم فحص مبسطة (هل يميّز هذا الصوت؟ هل يرتّب 1–7؟ هل يستجيب للتعليمة؟)، وتعزيزًا إيجابيًا مرئيًا (ملصقات، كلمات تشجيع، نقاط تعاون للمجموعة) بدل الامتحانات الكلاسيكية. وفي ختام كل حصة، يفضل إغلاق هادئ يُذكّر بما تمّ تعلمه بكلمات الأطفال، مع امتدادات منزلية خفيفة اختيارية (صورة–حرف، عدّ خطوات السلم…)، لحفظ متعة التعلّم وترسيخ عادة الحديث عن المدرسة في البيت.
9- توصيات عملية للتنزيل داخل القسم
- توقيت الأنشطة: أنشطة قصيرة (3–7 دقائق) تتخللها انتقالات رشيقة بإشارة صوتية/حركية معلومة.
- المواد: بطاقات واضحة عالية التباين؛ أحجام كبيرة للحروف على الأرض؛ صور قريبة من عالم الطفل.
- اللغة: تعليمات موجزة ومكرّرة بصيغ ثابتة؛ توظيف القوافي والإيقاع لتثبيت القواعد.
- الاندماج: تقديم أدوار «مساعدة» للأطفال الأكثر نشاطًا لضبط سلوكهم عبر المسؤولية بدل المنع المستمر.
- التدرّج: الانتقال من التعرف السمعي–البصري إلى التعيين/الإشارة فالمطابقة فالمناولة فالتعبير الشفهي البسيط.
- التعاون مع الأسرة: مشاركة نشيد/لعبة أسبوعية مع أولياء الأمور، وتوضيح أن المطلوب مشاركة اللعب لا «واجبات» مرهقة.
- التوثيق: لوحة متابعة صفية بسيطة تحفظ «نقاط التعاون» وتُظهر التقدّم للجميع؛ وصندوق أدوات الصفّ (حروف، صور، أعداد) في متناول المدرّس(ة).
خاتمة
أرست ورشة المستوى الأول في اليوم الرابع أسس برنامج وقائي متكامل يُسخّر اللعب، الأنشطة الروتينية الإيجابية والعمل التعاوني لتقليص الفوارق بين مدخلات السنة الأولى، ويؤسّس لجسور قوية نحو التعلمات الأساس في اللغتين والرياضيات. إن قوة هذا التصور أنه قابل للتنفيذ فورًا: سيناريوهات واضحة، عدة جاهزة، موارد داعمة، وخيارات مرنة تسمح بالتكييف دون التفريط في الأهداف. ومع تنويع الألعاب (السلة، العنكبوت، القفز على الحروف/المقاطع/الأعداد، البطاقات الومضية)، واعتماد التنظيم الصفّي الذكي، والتقويم التكويني غير المهدِّد، يصبح القسم فضاءً آمنًا محفِّزًا على التعلم؛ ويغدو الطفل شريكًا فاعلًا في بناء معارفه وعاداته المدرسية. بهذا الفهم العملي، لا يظلّ «الدعم الوقائي» شعارًا عامًا، بل يتحول إلى ممارسة يومية تُصنع فيها الطلاقة الشفوية والوعي الصوتي والحسّ العددي خطوة خطوة، وتُبنى الثقة والانتماء والمتعة، وهي ركائز لا غنى عنها لانطلاقة مدرسية موفقة لكل طفل.
رابط تحميل تقرير اليوم الرابع من الدورة التكوينية حول دعم التعلمات الأساس بمؤسسات الريادة – ورشة الدعم الوقائي للمستوى الأول
تقارير الدورة التكوينية حول دعم التعلمات الأساس - يونيو 2026
تقارير الدورة التكوينية لدعم التعلمات الأساس 2026
تقرير اليوم الأول من الورشات الوطنية لدعم التعلمات الأساس
تقرير اليوم الثاني: الروائز الموضعة لدعم التعلمات الأساس
تقرير اليوم الثالث: تمرير الروائز لدعم التعلمات الأساس
تقرير اليوم الرابع: الرياضيات في برنامج دعم التعلمات الأساس
تقرير اليوم الخامس: الجمع والطرح في برنامج دعم التعلمات الأساس
تقرير اليوم السادس: الضرب والقسمة في برنامج دعم التعلمات الأساس
تقرير اليوم السابع: اللغة العربية في برنامج دعم التعلمات الأساس
تقرير اليوم الثامن: فقرة أقصوصة تحدي في اللغة العربية
تقرير اليوم التاسع: اللغة الفرنسية في برنامج دعم التعلمات الأساس
