الدورة التكوينية في التدريس الصريح لفائدة أساتذة مدارس الريادة تمثل إحدى المحطات التربوية الهامة التي تهدف إلى تجويد التعلمات وتطوير الكفايات المهنية للأستاذات والأساتذة. جاءت هذه الدورة، المبرمجة في إطار خطة التكوين المستمر لشهر أكتوبر 2025، استجابة للتحولات التربوية الحديثة التي تجعل من التعلم عملية واضحة، موجهة ومبنية على أسس علمية دقيقة. وقد صممت لتكون مزيجاً بين التأطير النظري والتطبيق العملي، بما يتيح للمشاركين استيعاب فلسفة التدريس الصريح وممارستها داخل الفصول الدراسية بفعالية ووعي.
تم إطلاق النسخة المحينة الخاصة بالموسم الدراسي 2026–2027، وتجمع في صفحة واحدة المذكرة اليومية، ملفات الغياب، الوثائق التربوية، موارد دعم التعلمات الأساس، تقارير التكوين وباقي الوثائق التي يتم تحيينها خلال الموسم.
تصفح وثائق الدخول المدرسي 2026–2027منذ اليوم الأول، ركزت الدورة على تقديم الإطار العام للتدريس الصريح باعتباره مقاربة بيداغوجية ترتكز على الوضوح في الأهداف والممارسات، وتعتمد على الانتقال المنظم بين مراحل ثلاث أساسية: النمذجة، الممارسة الموجهة، ثم الممارسة المستقلة. وقد تم الحرص على أن يفهم المشاركون أن هذا النمط من التدريس لا يختزل في التلقين أو في تقديم المعلومات بشكل مباشر، بل يقوم على جعل التفكير مرئياً للمتعلمين، بحيث يصبح الأستاذ نموذجاً يحتذى في طريقة التحليل والاستنتاج وحل المشكلات. كما تم التأكيد على أن التدريس الصريح يتيح للمتعلمين فرصاً متكررة للتدرب في بيئة داعمة، تعتمد على التغذية الراجعة الفورية، وتوجه نحو بناء استقلالية التعلم تدريجياً.
تضمن اليوم الأول من التكوين مجموعة من الورش النظرية والعملية التي مكنت الأساتذة من التعرف على مبادئ التدريس الصريح المستمدة من الأبحاث التربوية الحديثة، مع التركيز على مفاهيم مثل وضوح الأهداف، التدرج في تقديم المفاهيم، النمذجة اللفظية والبصرية، والتحقق من الفهم. كما تم التطرق إلى كيفية توظيف الحوامل الديداكتيكية بشكل فعال، سواء كانت عروضاً رقمية أو وثائق ورقية، مع تقديم توجيهات دقيقة حول استعمال المسلاط، المؤشر، الشريط الديداكتيكي، وإدارة الوقت داخل القسم لضمان إيقاع تعلم متوازن يحد من الأوقات الميتة.
أما اليوم الثاني، فقد خُصص لتعميق الفهم بالممارسات المرجعية ذات الأولوية في المقاربة الجديدة، مثل ضبط السلوك الصفي، إدارة التفاعل مع المتعلمين، وتنظيم الممارسة الموجهة بطريقة تضمن مشاركة الجميع. تمت مناقشة بروتوكولات دقيقة مثل “التحقق من الفهم” و“التغذية الراجعة البنّاءة” التي تركز على تقديم ملاحظات محددة وهادفة تساعد المتعلم على إدراك موضع الخطأ وتصحيحه ذاتياً. كما تم عرض أمثلة عملية من مختلف المواد الدراسية لتوضيح كيفية توظيف النمذجة أثناء حل المسائل أو تحليل النصوص، مما جعل الدورة تكتسب طابعاً تطبيقياً يعكس واقع القسم.
تطرق اليوم الثالث إلى الهندسة المنهاجية لمواد اللغة العربية، اللغة الفرنسية، والرياضيات، مبرزاً كيف أثرت مبادئ التدريس الصريح في تحديث بنية الدروس والمحتويات. فقد أصبح التركيز موجهاً نحو بناء مهارات التفكير العليا عبر أنشطة منتظمة ومنظمة، مثل استعمال المعجم المجالي في اللغة العربية، أو إدراج الاستراتيجيات القرائية الجديدة، أو تطوير مهارات حل المسائل في الرياضيات. كما تم تقديم أمثلة عملية لهندسة أسبوعية ومرحلية وسنوية للدروس، تراعي مراحل التعلم، وتضمن التدرج من الاكتشاف إلى التمكين، مع إدماج الروائز المرحلية وملفات الكفايات في منظومة التقويم التكويني.
انطلاقاً من البرمجة الجديدة، أصبح إعداد الدرس الصريح يتطلب رؤية متكاملة تجمع بين التخطيط المسبق والمرونة أثناء التنفيذ. فالأستاذ مطالب بتحديد الأهداف التعلمية الدقيقة وصياغتها بلغة بسيطة ومفهومة، ثم الانتقال إلى النمذجة التي تتيح للمتعلمين متابعة خطوات التفكير والتحليل. بعد ذلك، تأتي مرحلة الممارسة الموجهة التي تشكل قلب العملية التعليمية، حيث يتفاعل المتعلمون من خلال مهام قصيرة متدرجة الصعوبة، في ظل إشراف مباشر من الأستاذ. وفي النهاية، ينتقل المتعلم إلى مرحلة الممارسة المستقلة التي تمنحه فرصة للتطبيق الذاتي وترسيخ التعلمات، مع استمرار الدعم الفردي لمن يحتاجه.
تؤكد هذه الدورة كذلك على أهمية ضبط الوقت والإيقاع داخل الحصة الدراسية، إذ أن جودة التعلم ترتبط بقدرة الأستاذ على إدارة الدقائق بفعالية، وتوزيع زمن الحصة بين العرض والتفاعل والتقويم. كما تمت الإشارة إلى ضرورة اعتماد إجراءات اعتيادية واضحة داخل القسم، تشمل استقبال التلاميذ، تنظيم الأدوات، واستعمال اللوحات، بما يعزز الاستقرار والتركيز ويُسهم في بناء بيئة تعلم إيجابية.
تندرج الدورة ضمن الرؤية الاستراتيجية لإرساء نموذج بيداغوجي جديد داخل مدارس الريادة بالمغرب، يقوم على التناسق بين المناهج والممارسات الصفية، ويجعل من الأستاذ محوراً فاعلاً في تطوير التعلمات الأساس.
من الجوانب التي أبرزتها الدورة كذلك العلاقة بين التدريس الصريح والتقويم، حيث تمت الدعوة إلى الانتقال من التقييم العددي إلى تقييم قائم على مؤشرات التحكم في التعلمات. فبدل الاقتصار على النقطة، يتم تحديد مستوى الأداء (A، B، C، D) بناءً على المعايير المرتبطة بالكفايات، مما يتيح للأستاذ رؤية أوضح لمسار المتعلم، ويسمح بتصميم خطط دعم موجهة. كما تم تقديم آليات لتوظيف الروائز الممعيرة والاختبارات الموحدة وملفات الكفايات في بناء تتبع متدرج للتعلمات.
ولأن الميدان التعليمي المغربي يعرف انتشاراً واسعاً للأقسام المشتركة، خصصت الدورة حيزاً لمناقشة تدبير هذه الوضعيات وفق منهجية التدريس الصريح. تم عرض استراتيجيات للتناوب الزمني بين المستويين، والبحث عن نقاط التقاطع في المحتوى لتيسير العمل المتوازي، مع مراعاة مبدأ التخفيف والتركيز على الأهداف الأساسية المشتركة. كما تمت الإشارة إلى ضرورة استعمال الحوامل الرقمية الموحدة لتقريب التعلمات وتبسيط العمليات الإجرائية داخل القسم.
في ختام الدورة، تم التأكيد على أن التدريس الصريح ليس مجرد تقنية جديدة، بل هو تحول عميق في تصور التعلم ذاته. إنه منهج يجعل من المتعلم فاعلاً واعياً بخطواته، ومن الأستاذ موجهاً متمكناً من أدواته، ومن الحصة الدراسية تجربة تعليمية واضحة ومثمرة. كما أن اعتماد هذا النمط من التدريس يعزز التكامل بين التخطيط والتنفيذ والتقويم، ويضمن نقل الممارسات الفعالة من فضاءات التكوين إلى واقع القسم.
إن هذه التقاريرالتي قمت بإعدادها -بصفتي الأستاذ المثمر المصطفى- والجاهزة للطباعة بصيغة (PDF) والقابلة للتعديل بصيغة (WORD) والمعدة بتنسيق احترافي تمثل رصيداً عملياً ثميناً لكل أستاذ يسعى إلى تطوير ملفه التراكمي وفق متطلبات مدارس الريادة.
